حسن ابراهيم حسن
138
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ولا يفوتنا أن نبحث العوامل التي ساعدت على فتح مكة بهذه السهولة ، وما كان من انقياد سادة قريش وأصحاب الرأي فيهم إلى الرسول ، بعد ما أذاقوه هو والمسلمين من ألوان التعذيب ، حتى هاجر من مكة إلى المدينة حيث آواه الأنصار ونصروه على أهله . ومن نظر في أمر قريش ومسلكها مع الرسول عرف أن شيوخها وشبابها كانوا ذوى حماسة شديدة في جهاد الإسلام أول الأمر ، وكان انتصار الرسول لا يزيدهم إلا شدة وحماسة . فلما تكرر هذا الانتصار وعظم أمره في جميع البلاد العربية ، أخذ الشبان وذوو المطامع يترددون ويتساءلون عن أي الأمرين أوفق لهم : رأوا قوة المسلمين وضعف المشركين ، فكانوا لو انضموا إلى هذه القوة الناشئة فأفادوا واستفادوا . ولكنهم كانوا يخشون اتهام قومهم إياهم ، وضياع ما كانوا يستمتعون به من الحرية : فمنهم من تغلب على هذه الأوهام فذهب إلى المدينة وأسلم ، كخالد بن الوليد ؛ ومنهم من اشتد تردده فاعتزل الطرفين حينا . حتى إذا ما وضح الصبح لذي عينين وتبين له أن أمر محمد قد ظهر على قريش ، أسرع فأدرك الفرصة قبل ضياعها وأسلم قبل الفتح كعمرو بن العاص . فقد اعتزل البلاد العربية وذهب إلى أرض محايدة هي أرض الحبشة ليرقب الأمر ، فرأى ما كان من حسن الصلة بين المدينة والنجاشي وأيقن أن أمر الإسلام سينتهى بالظفر ، وأنه إن أراد أن يدخر لنفسه مكانة بين أقرانه الذين سبقوه إلى الإسلام ، لم يكن بد من أن يسلم طائعا قبل أن يسلم كارها . ولقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال عمر ابن الخطاب لعمرو بن العاص : « لقد عجبت لك في ذهنك وعقلك كيف لم تكن من المهاجرين الأولين ؟ فقال عمرو : وما أعجبك يا عمر من رجل قلبه بيد غيره ، لا يستطيع التخلص منه إلا إلى ما أراد الذي هو بيده ! فقال عمر : صدقت » . ولم يكن هذا أمر عمرو وحده ، وإنما كان أمر طائفة كبيرة من الذين أسلموا متأخرين ، ولسنا نشك في أن عمرا حين أسلم ، قد وثق بأن أمر الإسلام